أحمد الخميسي يكتب إنهم يهدمون الآثار التاريخية .. أليس كذلك؟

0

زحفت الجرافات يوم الأربعاء 12 فبراير وقوضت بأطرافها الحديدية مبنى”وكالة العنبريين” في شارع المعز لدين الله الفاطمي تحت إشراف اللواء محمد أيمن عبدالتواب نائب محافظ القاهرة الذي تابع تنفيذ قرار الهدم. شارع المعز يعد جزءا من التراث العالمى وفقً منظمة اليونيسكو ومتحفا مفتوحا تحت السماء. هدمته الجرافات وأحالت قطعة من تاريخ مصر إلي غبار وأتربة. يعود بناء المبنى لأكثر من تسعمائة عام تقريبا، وضعت اللبنة الأولى فيه عام 1173 ثم تحول إلي وكالة لصناعة العطور فاكتسب اسمه ” وكالة العنبريين”.

وقد أشار علي باشا مبارك إلي تلك المنطقة في كتابه” الخطط التوفيقية” عام 1889. حينما بدأ المبنى يتصدع عام 2005 خف تجار شارع المعز إلي المسئولين جميعا يرجون ترميمه وانقاذه، لكن وزارة الآثار رفضت أن تتحرك بدعوى أن وكالة العنبريين ليست مدرجة ضمن الآثار في دفاترها! ولم يختلف رد وزارة الثقافة كثيرا، إذ قالت إنها ليست الجهة المختصة بالآثار! ثم حل الدور على محافظة القاهرة فحركت الجرافات لتهدم وتقوض وتبدد عطر التاريخ الذي فاح نحو ألف عام. بررت المحافظة الجريمة بأن المبنى” غير مسجل كأثر تاريخي”! وإذا كان التسجيل على الورق من عدمه سببا للهدم ، فإن الأهرامات أيضا غير مسجلة كأثر، فهل نقوم بهدمها؟! تقول المحافظة أيضا إن المبنى كان متصدعا. نعم، وفي مثل هذه الحال ينبغي ترميم المبنى وليس هدمه.

من ناحيته صرح المستشار محمد سمير باسم النيابة الإدارية بأن لجنة من كبار الأثريين كانت قد أقرت بأن مواصفات المبانى الأثرية متوفرة بوكالة العنبريين، وأنه تم رفع توصية إلي وزارة الآثار لاتخاذ إجراءات تسجيل المكان كأثر، لكن الوزارة لم تحرك ساكنا. وزارة الآثار دفعت عن نفسها تهمة الهدم بالقول إن المحافظة هي التي هدمت، لكنها – أي الوزارة- لا تستطيع أن تدفع تهمة اهمال تسجيل عقار أثري على مدى سنوات طوال، كما لا تستطيع وزارة الثقافة الهائمة بين بالونات المهرجانات وموسيقاها أن تبريء بنفسها من الاهمال والجهل الفاضح. في كل الأحوال فقد استثمرت محافظة القاهرة الجهل والبلادة فهدمت جزءا من التاريخ في وجود المحافظ اللواء خالد عبد العال، وهو المحافظ ذاته الذي سأله الرئيس السيسي علنا في ديسمبر العام الماضي:”تعرف إيراداتك قد إيه ياسيادة المحافظ؟” فلزم الصمت لأنه لا يدري! ثم سأله الرئيس: ” طيب أنت اتعمل لك كم كوبري في الأربع سنين اللي فاتوا؟” فلزم الصمت ثانية! وتأكد بذلك أنه” غير محافظ ” على القاهرة التي لا يدري شيئا عنها، ثم يمضي المحافظ يمضي قدما إلي الأمام ليهدم ما لايدري ماهو! يجعلنا كل ذلك نتساءل بالمرة: ما هي إنجازات اللواء خالد عبد العال فيما يخص القاهرة التي مازالت تعاني من كل أمراضها المزمنة: القمامة والزحام والتلوث وفوضى المرور والعشوائيات؟

جدير بالذكر أن وكالة العنبريين لست أول الآثار التي تقوضها الجرافات، ففي القاهرة التي تضم 1163 مبنى أثريا تم هدم” بيت المهندس” بشارع سوق السلاح في ديسمبر 2014، وهدم جزئي لفندق الكونتنينتال الذي شهد توافد ملوك وملكات أوروبا خلال افتتاح قناة السويس عام 1866، وهدم سينما ريفولي، كما هدمت في المعادي 14 فيلا في السنوات الأخيرة علاوة على حصول أربعين فيلا على تراخيص هدم لاقامة أبراج سكنية. وهدم في الاسكندرية الكثير من المباني، وما بين 2007 حتى2014 تم هدم 36 مبنى أثريا. وفي بورسعيد هدم نحو مئة عقار تراثيا. وهم إذا لم يهدموا المباني الأثرية فإنهم يؤجرونها للأثرياء كما حدث بتأجير معبد الكرنك لحفل عرس أكتوبر العام الماضي! أو يتم تهريب الآثار بالاف القطع! وهو ما قام به بطرس رؤوف غالي شقيق يوسف بطرس غالى وزير المالية الأسبق فى عهد حسنى مبارك

، وقد ألقي القبض علي بطرس بتهمة تهريب نحو ثلاثين ألف قطعة أثرية إلي ايطاليا في حقائب دبلوماسية، والعجيب أن إيطاليا هي التي كشفت عملية التهريب في ميناء نابولي وليس مصر.هذه الصورة المحزنة هي التي دعت سمير غريب الرئيس السابق للجهاز القومي للتنسيق الحضاري للتصريح في أكتوبر 2018 بأن مصر فقدت 75%‏ من المباني التراثية خلال 3 سنوات من 2011 إلى 2014. السيد المحافظ الذي لا يعرف ” إيرادات” المحافظة، ولا كم عدد المنشآت الحديثة بها، لا يدري أيضا أن مبنى عمره قرابة الألف عام هو أُثر تاريخي. لقد أمسى من الضروري انقاذ التاريخ، ذلك لأننا سنعجز عن التقدم إلي المستقبل أو التخطيط له من دون ذاكرتنا وتاريخنا. صرنا في أمس الحاجة إلي العقل في مواجهة الجرافات. 

*******
جريدة الدستور المصرية – الاثنين 19 فبراير 2019 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.