د. محمد فراج أبو النور يكتب :ترامب وأردوغان.. «الصفقة الكبرى!!

0

*

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من منطقة شرق الفرات «شمال شرقي سوريا» بصورة عاجلة، كان له دوي القنبلة في واشنطن والعديد من العواصم الغربية الكبرى والعواصم العربية، المرتبطة بالأزمة السورية وجهود تسويتها.
ترامب اتخذ القرار بمفرده، وأعلنه عبر «تويتر»، دون التشاور مع مجلس الشيوخ، كما هو المألوف فيما يتصل بمثل هذه القرارات العسكرية المهمة.. وهو ما أثار استياء زعماء الكونجرس، كما أثار انتقادات سياسية وإعلامية واسعة، وكان من أول انعكاساته استقالة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس التي قبلها ترامب على الفور، وعين أحد مساعدي الوزير «باتريك شاماهان» قائماً بأعماله بدءاً من أول يناير/‏كانون الثاني المقبل.
وصرح مصدر بالبيت الأبيض لوكالة «رويترز» بأن عملية الانسحاب ستتم خلال فترة تتراوح بين «ستين يوماً ومئة يوم».. كما شمل القرار سحب العاملين الدبلوماسيين الأمريكيين في منطقة شرق الفرات خلال (24 ساعة). 

وعلل ترامب قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا بأن سبب وجود القوات الأمريكية في سوريا كان الحرب ضد «داعش»، وأن هذا الأخير قد تمت هزيمته، بل تم «سحقه» أثناء ولايته.. وبالتالي فلم يعد هناك مبرر لبقاء القوات الأمريكية في سوريا، وأن دول المنطقة – ومن بينها تركيا بالذات- تستطيع استكمال مهمة القضاء النهائي على فلول «داعش» في منطقة الحدود السورية العراقية.
غير أن هذا التبرير لم يكن مقنعاً لسياسيين ومحللين كثيرين في واشنطن نفسها، وفي عديد من العواصم الغربية والعربية، وقد رأينا استقالة جيمس ماتيس، احتجاجاً على قرار ترامب، والتي تلتها استقالة المبعوث الرئاسي الأمريكي لدى قوات التحالف الدولي بريت ماكجورك.. كما صرح السيناتور ليندسي جراهام، أحد كبار زعماء الكونجرس وحلفاء ترامب بأن «القرار خاطئ».. وهو نفس موقف سياسيين ومسؤولين وإعلاميين غربيين وعرب كثيرين رأوا في القرار والعجلة في تنفيذه تهديداً للاستقرار في منطقة الحدود السورية-العراقية، وإخلالاً بالتوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط لصالح تركيا، يمكن أن تمتد آثاره ليستفيد منها «داعش» وبعض دول المنطقة، . وواضح أن وراء القرار صفقة كبرى بين ترامب وأردوغان، هي التي يمكن أن تبرر هذا القرار المفاجئ والعجلة في تنفيذه، بل والسير في اتجاه معاكس لما كان ترامب نفسه يعلنه في الأشهر الأخيرة وبصورة متكررة. فقد تحدث ترامب في بداية ولايته أكثر من مرة عن احتمال سحب القوات الأمريكية من سوريا بسبب التكلفة المالية.. إلا أنه عاد وتبنى نبرة مغايرة تتبنى ضرورة استكمال عملية استئصال «داعش» من ناحية، ودعم الكيان الكردي في الشمال السوري عسكرياً وسياسياً من ناحية ثانية، بالرغم مما يعنيه ذلك من إغضاب لتركيا، وربما يكون عقاباً لها على اقترابها من روسيا وإيران.. ومن ناحية ثالثة- بدت هي الأهم في تصريحات ترامب- قطع الطريق على إيران، وعدم تمكينها من شق الممر الإيراني إلى البحر المتوسط «طهران بغداد دمشق بيروت».
وبالنسبة للهدف الأول: أي استئصال «داعش» فمن الواضح أن واشنطن لم تمتلك أبدا الجدية الكافية لتصفية التنظيم.. وكانت تتعمد ترك فلوله كذريعة لوجودها العسكري في المنطقة.. كما أن ضعف قوات «قسد»، وانشغالها ببناء أجهزة سلطتها، قد أديا لإضعاف جهودها ضد «داعش»، ومن جانب آخر فإن معارك دمشق في منطقة الغوطة والجنوب السوري، ثم العقبة التي تلتها إدلب، عطلتها عن التوجه نحو منطقة شرق الفرات، كما أن قوات التحالف الغربي الجوية كانت توجه ضربات قوية لأي قوات سورية أو حليفة تتجه نحو المنطقة، وتعلنها باستمرار منطقة نفوذ أمريكية.
وأما بالنسبة للأكراد: فقد أدرك ترامب أن دعمهم يكلف بلاده ثمناً فادحاً، يتمثل في ابتعاد تركيا عنها بصورة متزايدة، ودخولها في علاقات متشابكة ومتعاظمة مع روسيا وإيران، ما يزيد من أهمية الدور الروسي ليس في سوريا وحدها، وإنما في منطقة الشرق الأوسط كلها.. كما يزيد من صعوبة عزل إيران بسبب العلاقات التجارية التركية الواسعة معها، حتى إن واشنطن اضطرت لاستثناء تركيا ضمن دول أخرى من قرار مقاطعة النفط والغاز الإيرانيين. وكان دخول تركيا مع روسيا في مشروع «السيل التركي» وصفقة صواريخ «إس 400» وبناء محطة للطاقة النووية.. بمثابة خسائر استراتيجية مؤكدة لأمريكا تفتح الطريق لتسوية في سوريا تستفيد منها روسيا وإيران وتركيا «ثلاثي أستانة».. بينما تخسر أمريكا.. مع ملاحظة أن دولاً عربية مهمة بدأت تتجه لفك الحصار عن دمشق وإعادة النظر في موقفها من التسوية الجارية، وخاصة أنها بدأت تلقى قبولاً أوروبياً «قمة إسطنبول الرباعية» وزيارة البشير لدمشق.
وبالنسبة للهدف الثالث: قطع الطريق على الممر الإيراني على البحر المتوسط «ممر طهران- بيروت» فقد وجدت أمريكا نفسها «نعني هنا ترامب بالذات وبطريقة تفكيره، القائمة على الصفقات» أمام خيارين أساسيين:
1 – إما مواصلة البقاء في منطقة شرق الفرات، ودعم الأكراد، بما يعنيه ذلك من أضرار فادحة بعلاقات واشنطن مع أنقرة، ودفع الأخيرة للاقتراب من موسكو وطهران أكثر.
2 – وإما عرض «صفقة كبرى» على أردوغان يتم بموجبها «بيع الأكراد السوريين لتركيا»، بما يتيح للأخيرة تحقيق أطماعها التوسعية القديمة في السيطرة على أجزاء معتبرة من الشمال السوري، مع رفع العقوبات الاقتصادية وتوسيع العلاقات التجارية وتقديم أسلحة تغنيها عن ال(إس 400).. كصفقة «الباتريوت» الأخيرة التي وافقت عليها وزارتا الخارجية والدفاع.. وستحال إلى الكونجرس.. مع إبداء قدر «معقول» من المرونة فيما يتصل بمصالح تركيا مع روسيا وإيران.. و«تفويض» تركيا في الحرب ضد «داعش»، بما يتيح لها التوغل في منطقة الحدود السورية العراقية باسم التحالف الدولي، وإغلاق «الممر الإيراني» بالتعاون مع العشائر العربية، والأقليات القومية غير الكردية.
هذا السيناريو إذا تم تنفيذه سيخلط أوراق التسوية السورية خلطاً شديداً، وسيعيدها كثيراً إلى الوراء، وسيفتح الطريق لتركيا لإعادة الاصطفاف في المعسكر الأمريكي.. أما نقطة ضعفه فهي أن النظام السوري قد تعززت قوته كثيراً خلال المعارك وأن روسيا موجودة.. والعراق لن يرحب به. وتركيا برغم قوتها ليست أمريكا..وإذا أراد الأكراد الإفلات من هذه المقصلة، فإن عليهم أن يتوجهوا نحو دمشق، وليس نحو باريس الأقل قوة ونفوذاً من أن تملأ الفراغ الأمريكي. وأما العرب فإن عليهم أن يسرعوا الخطى لاستعادة دمشق إلى أحضانهم.. فإن هذه هي أفضل طريق لقطع الطريق على أنقرة وإيران معاً.- See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/49f5b97f-187f-446d-9b7c-c4870ad26d17?fbclid=IwAR0rtE8lCQOUKIn1AX0MZkgcokzzht6ooKXK7Kx3VtQptgTJs2Avqmxz89A#sthash.bTKG0eax.dpuf

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.